رفيق العجم
391
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
صحة النيّة - فما علامة صحة النيّة وفسادها في التعليم وبم يعرف المعلم من نفسه ذلك فضلا عن غيره ؟ فأقول علاماتها كثيرة وجملتها أن يتمكّن من ملازمة التقوى في جميع مصادره وموارده ، وذلك لا ينحصر ولكن نذكر علامتين خاصتين : إحداهما أن يكون بحيث لو أتعب نفسه مدّة في حق تلميذه حتى خرّجه في العلوم وبلّغه الدرجة العليا فقصر في حقه في القيام بخدمته وانحاز إلى بعض أقرانه فلا يزيد إنكاره وتعجبه من تقصيره بسبب ما سبق من تعليمه إيّاه ، فلو وجد في نفسه مزيد إنكار فيدلّ على أنه كان يمنّ عليه بتعليمه ، وعرف لذلك حقّا عنده وطلب له من جزاء وشكر أو مكافأة . فهذا يدلّ على أن تعليمه لم يكن خالصا لوجه اللّه تعالى بل ينبغي أن يقبل المنّة من تلميذه ، إذ هدف قلبه ليزرع فيه علمه ويؤدّي به حق اللّه تعالى في خلافته ووراثة نبيّه لينال ثمرته في الآخرة ، كمن أعاد له أرضا ليزرع فيها . الثانية أنه إذا ظهر في أقرانه من هو أفضل وأقوى منه وكان أقدر على الإرشاد والدعوى إلى الصلاح منه وانحاز أصحابه إليه للاستفادة منه فينبغي أن يفرح به إن كان قصده إرشاده عبادا للّه تعالى ، فقد ظهر من كفاه مؤنة التعب ، فما باله يحزن به وتجزع نفسه منه ويكون كمن وجد مسلما وقع في بئر وعلى رأسه حجر ثقيل فاشتغل بتنحية الحجر الثقيل لإنقاذ المسلم حسبة اللّه تعالى ، فحضر من هو أقوى على رفع الحجر منه ورفع الحجر وكفاه مؤنة التعب فإنه يفرح به ويشكره عليه ، فما باله لا يشكر من كان من أقرانه أفضل وأتقى وعلى إرشاد المتفقّهة أقوى . وعند هذا للنفس خديعة وينبغي أن يتفطّن لها إذ تقول ليس حزنك على فوات الجاه وأعراض الأتباع بل على ما يفوتك من ثواب التعليم ، فإنه مهما كثر التعليم كثر الثواب وهذا صحيح ، ولكن ينبغي أن يكون بحيث لو عرف أن ثوابه في الخمول وفي التسليم إلى الأفضل أكثر من ثوابه في القيام بنفسه بالتعليم ، فينبغي أن تسمح نفسه بذلك بل ترغب فيه بل لا تسمح نفسه بالقيام به ، كما كان في حق عمر رضي اللّه عنه فإنه علم أن في القيام بالخلافة من الثواب ما ليس وراءه ثواب ، ثم لما علم أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنهما أصلح للأمارة منه قال : لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر . فهذا هو الصدق ولا يقبل في القيامة إلا الصدق وليسئل الصادقين عن صدقهم . ( ف ، 14 ، 19 ) صدق - الصدق يستعمل في ستة معان : صدق في القول ، وصدق في النيّة والإرادة ، وصدق في العزم ، وصدق في الوفاء بالعزم ، وصدق في العمل ، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها ، فمن اتّصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق . ( ح 4 ، 409 ، 16 )